الأكراد.. تاريخ من الدم وحاضر من الفشل

على أبو الخير



الأكراد.. تاريخ من الدم وحاضر من الفشل



عندما بدأت تركيا في التاسع من أكتوبر الماضي غزوًا وعدوانًا واحتلالًا عسكريًّا على مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطي (قسد) في شمال شرقي سوريا، ادَّعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أن الهدف من هجومه هو تدمير "ممر الإرهاب" على الحدود الجنوبية لتركيا، غير أن كل الدلائل السياسية، التي سبقت العدوان العسكري التركي ضد قوات سوريا الديمقراطية، كانت تشير إلى هذه النهاية المأساوية لهذه القوات، بكل ما حققته من انتصارات ونجاحات في محاربة إرهاب تنظيم داعش في شمال شرق سوريا، فقوات سوريا الديمقراطية، التي تشكِّل "وحدات حماية الشعب الكردية" عنصرًا أساسيًّا فيها، كانت تسيطر على معظم الأراضي التي كانت في حوزة  تنظيم داعش الإرهابي في سوريا، وتحتجز الآلاف من مقاتلي التنظيم في السجون، وتركيا تعتبر وحدات حماية الشعب "جماعة إرهابية" مرتبطة بحزب العمال الكردستاني التركي المحظور، الذي يقاتل منذ 35 عامًا ضد الدولة التركية، كما تنظر أيضًا إلى المنطقة، التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب بأنها "تهديد وجودي" ومحدد أساسي في الأمن الاستراتيجي لتركيا المعاصرة، هذا بالإضافة إلى الأطماع العثمانية الجديدة في المنطقة العربية، واستغلال الربيع العربي والسعي لتدمير الجيوش العربية؛ من أجل عودة الزعامة السنية العثمانية للعالم الإسلامي.

 

في كل الأحوال، فإن الأحداث تعيد إلى الأذهان المأساة الكردية الممتدة عبر الزمن؛ فلم يحدث أن قامت دولة كردية مستقلة، فقد كان الأكراد ولاية أو جزءًا من مكونات الخلافة الإسلامية منذ "الأموية" وحتى "العثمانية"، ثم العصر الحديث. ومن الضروري القول إن مأساة الشعب الكردي في العصر الحديث لم يصنعها العرب ولا الأتراك ولا الإيرانيون، فمأساة الأكراد تُعتبر صناعة استعمارية، فمعاهدة سيفر عام 1920 ضنّت على الأكراد بدولة تجمع شتاتهم، وهي التي وزّعت الأكراد في ما بين الدول الأربع، بعد أن وقّعت الدولة العثمانية عليها بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى، وقامت الدول المنتصرة بقيادة بريطانيا بتشتيت الشعب الكردي.

 

والغاية هنا أن يظل التوتر قائمًا في حدود الدول، كما هو الشأن الاستعماري في كل مراحله، وهو ما حدث ويحدث، حتى اليوم. ولقد حاول الأكراد الثورات وأقاموا دولة "مهاباد" عام 1946 بالفعل في شمال إيران لم تدم سوى عام واحد، ولم يتعاطف معهم أحد من القوى العربية أو العالمية، ودائمًا يخطئون الطريق ويعيشون ظلمًا، ومأساتهم أن زعماء الأكراد دائمًا يراهنون على الأحصنة السياسية الخاسرة، وهو أمر يطول شرحه.

 

إن الأكراد خلال السنوات القليلة الماضية لهم أخطاء فادحة؛ مثل الدعوة إلى الاستفتاء الفاشل الذي دعا إليه الزعيم الكردي مسعود البرزاني، في شهر سبتمبر عام 2017، ولقد اعتمد وراهن مسعود البرزاني على تأييد الولايات المتحدة الأمريكية له، رغم أنه يعلم أن الأمريكان لا أمان لهم، كما أخطأ قادة الشعب الكردي قبل ذلك في سوريا خطيئة كبرى منذ عام 2011، والخطيئة هي دعوتهم إما إلى انفصال وإما تأسيس فيدرالية سورية، ثم تأسيس جيش يدربه الأتراك وتنفق عليه قطر ويدعمه ويسلحه أردوغان نفسه، وجاء ذلك عندما تكالبت دول العالم الاستعمارية على سوريا لتمزيقها. وكرر زعماء الأكراد في سوريا الأخطاء التاريخية، عندما تعاونوا مع الدولة الأمريكية، وكان المفترض أن يتعاون الأكراد مع القيادة الشرعية السورية لمحاربة الإرهاب والاستعمار، أما أن يتعاونوا مع الأمريكان، الذين لدغوهم عدة مرات، فهو الخطأ الذي سفك الدم الكردي مجددًا.

 

وهنا نستطرد ونذكر طرفة كردية- مصرية، فقد روى لنا الأستاذ المّلا حسين، الذي كان يشغل الممثل الرسمي للرئيس العراقي الراحل جلال طالباني، في القاهرة، وذلك في المركز المصري للدراسات والبحوث الكردية بالقاهرة، الذي يرأسه المفكر والكاتب الأستاذ رجائي فايد، المتخصص في الشأن الكردي، روى لنا الملا حسين، أنه عندما استقرت به الحال في مصر، بدأ يبحث عن أي شيء في مصر ينتسب إلى الأكراد؛ حيث يوجد "رواق الأكراد" في الجامع الأزهر، كما يعلم أن كثيرين من كبار مثقفي مصر، هم ذوو الأصول الكردية؛ مثل عباس العقّاد وقاسم أمين ومحمود تيمور.. وغيرهم، ولكن اشتطت به الحال، فعلم بوجود مدينة مصرية اسمها "الكردي" بمحافظة الدقهلية، وأن أصول أهل المدينة من الأكراد، ومن ثَمَّ رأى أن يزور المدينة التي اعتقد أنها كردية لغة وثقافة، وأخذ الموافقات الأمنية والمحلية، وذهب بالفعل مع وفد رسمي إلى مدينة "الكردي"، وعند مدخل المدينة فوجي بلافتة ترحيب كبيرة كتبها بعض الشباب غير المتعلمين، مكتوب فيها "أهل مدينة الكردي يرحبون بسفير دولة كردستان في مصر"، وفوجئ الرجل والوفد والقيادات الأمنية باللافتة المغلوطة، وبسببها أُلغيت الزيارة، وقد رددت أنا علي الملّا حسين بأنه يبحث عن السراب؛ لأن المعدة المصرية تهضم كل الشعوب وتصبغها بالثقافة المصرية والنسب المصري، وأن جماعة كردية قليلة عاشت واختلطت وأذابت الأكراد في المصريين جميعًا، وأن مردود وإنتاج المثقفين من ذوي الأصول الكردية يعود إلى الثقافة العربية، تمامًا كما يعود إنتاج الشاعرين العراقيين الكرديين جميل صدقي الزهاوي وبلند الحيدري، إلى الثقافة العربية لا الكردية.

 

ومن الجدير بالذكر القول إنه على المستوى الرسمي، اهتمت الدولة المصرية المعاصرة بالأكراد منذ ما يقرب من قرن ونصف القرن؛ فقد تم تأسيس أول صحيفة كردية بالقاهرة يوم  22 أبريل عام 1898م؛  وهي جريدة سياسية اسمها "كردستان"، وكان المؤسس لها هو الأمير الكردي مقداد مدحت بدرخان، الذي استفاد خلال إقامته في القاهرة من النهضة الفكرية المصرية.

 

ومع امتداد الزمن ظل المصريون سياسيًّا وثقافيًّا مهتمين بالقضية الكردية؛ خصوصًا في فترة الرئيس جمال عبد الناصر، ففي عهده وفي عام 1957 تم إطلاق إذاعة ناطقة باللغة الكردية من القاهرة، وهو الأمر الذي أزعج الدولة التركية، ويُروى أن السفير التركي في القاهرة ذهب في الفجر إلى مقر الرئيس عبد الناصر؛ لتسجيل احتجاج أنقرة على بث إذاعة كردية من مصر، فقال له الرئيس ناصر في هدوء "معلوماتي تفيد أنه لا وجود للأكراد في تركيا، كما تقولون، وأن هؤلاء الذين يوصفون بأنهم أكراد ما هم إلا أتراك جبليون، لماذا إذن أنتم غاضبون من إذاعة كردية؟!، فسكت السفير وظلت الإذاعة الكردية. كما استقبل الرئيس عبد الناصر الزعيمَين الكرديَّين مصطفى البرزاني وجلال طالباني، وغيرهما من زعماء الحركة الكردية، وحاول حل المشكلة الكردية في العراق، والمعنى من كل ذلك أن المصريين يعرفون الحركة الكردية؛ ولكنهم لا يعرفون تفاصيل القضية التركية. وفي المقابل ظل الشعب الكردي مظلومًا من قياداته ومن كل الدول التي يعيش فيها، ومن القوى الدولية أيضًا.

 

ربما يعود الصواب إلى قيادات الأكراد، ويواجهون العدو الأردوغاني بالعودة إلى حضن الدولة السورية، وأخيرًا يمكن القول إن مستقبل الشعب الكردي يتحدد بناء على توحد الزعماء الأكراد على واقعية سياسية لكل فصيل كردي داخل الدولة التي يعيش فيها، كما أن مستقبل الأكراد مرتبط بما يحدث كما قُلنا في المنطقة العربية من قلاقل وفتن ومؤامرات، ولابد أن يتعامل معها القادة الأكراد في توحُّد مع قيادات الدول التي يرتبطون بها، ولا يثقون في قوى دولية أو أمم متحدة أو جامعة عربية أو منظمة عمل إسلامي، يثقون في أنفسهم وفي الله فقط.



أقرأ أيضا

البلد

توافق وافتراق في ثورات الجيران

اجتازت إيران ولبنان والعراق في الشهرين الماضيين عتبة التجربة السورية في ثورة شعوبها على أنظمة التسلط والفساد الحاكمة. ورغم ما ظهر في إيران من استيعاب نظام الملالي لهبة الإيرانيين الأولى، وتوجهه المؤكد نحو انتقام عميق من معتقلي وناشطي جمهور الهبة، فإن ذلك لا يعني نهاية الحراك الإيراني المتكرر في العام الماضي...
البلد

الصين وأمريكا.. حرب سياسية

فرحة عارمة اجتاحت مناصري الحراك الاحتجاجي في هونغ كونغ بعد اكتساحهم الهائل لنتائج الانتخابات البلدية وفوز مرشحيهم ضد مرشحي الحكومة المركزية في بكين، ما تسبب في إحراج شديد لكاري لام الحاكم التنفيذي للمقاطعة والمعيّن من قِبل الصين.
البلد

إلى أين يجري العالم؟

عندما انتهى المؤرخ البريطاني العظيم أرنولد توينبي من كتابه الحافل «تاريخ البشرية» والذي درس فيها قرابة ثمانٍ وعشرين حضارة إنسانية لامعة، قال جُملته التي لخّصت أكثر من أربعين عاماً كرّسها لوضع ذلك الكتاب الموسوعي النفيس وبيّنت باختصار أسباب زوال الأمم: «إنّ الحضارات لا تُغتال ولكنها تنتحر طوعاً»!
البلد

عودة العمدة

صفارة العدو نحو الانتخابات الرئاسية الأمريكية تبدأ عادة مع أول الانتخابات التمهيدية داخل الحزبين الرئيسيين الديمقراطي والجمهوري، وهي التي تكون في ولاية «أيوا» في وسط الغرب الأمريكي، وسوف تكون في شهر يناير القادم.
البلد

جدران برلين العربية!

في التاسع من نوفمبر 1989 استيقظ الألمان على معاول تهدم أشهر جدار فاصل في التاريخ، الجدار الذي قسم مدينة برلين إلى شطرين شرقي شيوعي تحت نفوذ الاتحاد السوفييتي، وغربي ليبرالي تحت وصاية بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.
البلد

مصر والإمارات.. شراكة استراتيجية وتنسيق لحماية الأمن العربي

الشعبان المصري والإماراتي يرتبطان وجدانيًّا بصورة قلما نجد لها مثيلًا؛ إذ لعب إعلام البلدَين دورًا أساسيًّا في ترسيخ وتقوية العلاقات وتطويرها ومساندة القضايا المتعددة للبلدين وإنجاز صورة ذهنية حضارية تنمويًّا وثقافيًّا لكلا البلدين.
البلد

لماذا لا تحتفل مصر بثورة 1919 الشعبية الكبرى؟!

من الظلم الوطني عدم الاحتفال العام بثورة 1919، ومن التهميش الثقافي الذي يقضى على ذاكرة الأجيال؛ لأنها تعتبر الثورة الشعبية الكبرى في تاريخ مصر الحديثة، والتي مرّ عليها مئة عام، الثورة التي بدأت منذ يوم الثامن من مارس عام 1919...
البلد

أنصتوا إلى الشعب اللبناني

في عام 2012، كتبت مقالاً عن لبنان ما زال ينم عن الواقع حتى الآن، وأنهيت مقالي باقتباس واحدة من أفضل المقالات التي كتبها «جبران خليل جبران»، بعنوان «أنت لديك لبنان الخاص بك، وأنا لدي لبنان الخاص بي»...
البلد

ترامب.. استراتيجية الانتصار!

في الوقت الذي يواصل فيه الديمقراطيون التصعيد ضد ترامب، في قضية أوكرانيا، على أمل أن ينجحوا بعزله، وهي المهمة المستحيلة، التي يعملون عليها، منذ أن فاجأ ترامب أميركا والعالم، بفوزه غير المتوقع بالرئاسة، يجوب ترامب القارّة الأميركية متحدّيا.