الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني

على أبو الخير



الحكمة بين السُّنة النبوية والفهم القرآني


أرشيفية


شغلنا فقهاء الأمة وعلماؤها بالقول إن الله ذكر السُّنة النبوية الشريفة في آيات القرآن الكريم؛ ولكنهم لم يجدوا ذلك بصورة صريحة، فاعتبروا أن مصطلح "الحكمة" الوارد في القرآن يعني أنه "السُّنة النبوية"، وذلك من أجل إضفاء قداسة على أقوال المفسرين والمؤرخين وأئمة المذاهب الفقهية. ولأن بعض الأحاديث المنسوبة تخالف القرآن وتنقضه نقضًا، فقد اعتبروا أنه يوجد وحي إلهي ذو شقَّين؛ قرآني ونبوي، واعتبروا ما جاء في سورة الحشر|7 "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا" دليلًا على أن قول النبي وحي حتى لو خالف النص القرآني، وهو قول غير منطقي وغير نبوي أو قرآني؛ فالرسول الكريم ملتزم بالوحي الإلهي، كما جاء في سورة يونس|15 "وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَٰذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ"، فالنبي لا يبدّل الآيات، ولا يتّبع إلا الوحي. ومن هنا لا يمكن تصديق أن النبي قال حديثًا أو قال قولًا مخالًفا للوحي، ونراه أمرًا مفروغًا منه.


وفي المقابل نجد أن الرسول المعصوم محمد عليه السلام، عاش عشر سنوات في المدينة المنورة، كانت الآيات القرآنية تتنزل عليه بين حين وآخر؛ قد يأتي الوحي كل يوم أو مرتَين، أو كل عدة أيام أو أسابيع، وخلال تلك الفترات عاش المسلمون دون نزول الوحي، كان النبي يتعامل مع أصحابه وزوجاته؛ مع المسلمين وغير المسلمين من اليهود ونصارى نجران على سبيل المثال، وكانت تأتيه الوفود من أنحاء الجزيرة العربية للمناقشة والحوار، فكان المسلمون يحاوروه ويحاورهم، يأخذون منه وعنه، يتلو عليهم القرآن؛ فمنهم مَن يخشع قليلًا أو كثيرًا، ولكنّ اختلف المسلمون حول نسبة هذه الأحاديث أو الأحداث التي رأوها وعاشوها مع النبي؛ منهم مَن قال بصحتها ومنهم مَن اعتبرها موضوعة على لسان النبي وسيرته، والأدهى أن المسلمين التزموا بحفظ القرآن كما هو، ولكنهم اختلفوا في تأويله. وعلي بن أبي طالب قال يوم موقعة "صفين": "اليوم أقتلهم على تأويله كما قتلتهم من قبل على تنزيله"، ولقد تم تدوين ما حدث من حوارات وتعاملات من النبي مع أصحابه بعد وفاة النبي بمئتي عام، اختلط فيها الحق بالباطل وتدخلت الأهواء السياسية السلطانية، وجُمعت السيرة وما قالوا عنه أحاديث وكفر بعضهم بعضًا، واعتبروا كل ما هو منسوب إلى النبي وحيًا، حتى لو خالف العقل والقرآن؛ مثلًا حديث "أنتم أعلم بشؤون دنياكم"، نسبوه إلى النبي عندما طلب منهم عدم تلقيح النخيل، فلم يلقحوها، فلم يثمر النخيل بالتمر، وهو أمر يخالف القرآن وسيرة النبي؛ لأن النبي كان رجلًا عربيًّا في المقام الأول، ويعرف أنه لابد من تلقيح النخل ليُثمر، كما نزلت عليه الآية 22 من سورة الحجر: "وأرسلنا الرياح لواقح"، ومعنى ذلك أن النبي قط لم يطلب عدم تأبير (تلقيح) النخل، وأيضًا وصية النبي للصحابي معاذ بن جبل، الذي يقصد أنه سيجتهد برأيه إذا لم يجد حكمًا في القرآن أو قول للنبي، من خلال فهمه للقرآن وليس مجرد رأي شخصي، ولكن لأن المؤرخين والمفسرين لم يجدوا دليلًا للسنة يسندهم في القرآن الكريم، قالوا إن الحكمة تعني السُّنة، وهو أمر مردود عليه.
 

إن آيات الحكمة القرآنية لا تدل على أنها الحديث النبوي، ولكنها تدل على الفهم العميق للآيات القرآنية، وعلى الأمور الدنيوية معًا؛ مثل ما جاء في سورة البقرة| 129 "رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُالْحَكِيمُ"، أي يعلمهم القرآن الكريم وآياته، من خلال الفهم الصحيح للآيات، وتأويل المتشابه منها بدليل من اللغة العربية، أو بمعنى أصح تفسير القرآن بالقرآن، بالحكمة أي التعمق وعدم الشطط، وهو ما يستلزم فهم أمور الدين من خلال آيات التسامح وعدم الإكراه على الإيمان أو الكفر، وهو نفس ما جاء في سورة آل عمران|48 عن المسيح "ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل"، فالحكمة هنا هي فهم المسيح لما جاء في التوراة وما أُنزل عليه في الإنجيل، ولا تعني الحكمة أحاديث منسوبة له، وهو ما تكرر في سورة لقمان |12 "ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومَن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومَن كفر فإن الله غني حميد"، وعن سليمان النبي في سورة ص |20 "وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ"، وجميعها تعني الفهم الشامل والحكم الصائب على الأحياء والأشياء، وهو نفس الوصف للنبي محمد عليه الصلاة والسلام، كما جاء في سورة الجمعة|2 "هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوامِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ"، فالكتاب هو القرآن، والحكمة النبوية هي فهم القرآن، وغيرها من آيات قرآنية عرّفت الحكمة بما نقول.


ولذلك لم يكن غريبًا على الفيلسوف الأندلسي الوليد بن رشد أن يؤلف كتابه الأشهر تحت عنوان "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال"، وهو الكتاب الذي أسَّس للنهضة الأوروبية الممتدة حتى اليوم أو أسهم فيها بقدر كبير؛ لأن ابن رشد اعتبر الحكمة نوعًا من الفلسفة ويمكنها أن تفسّر الشريعة الإسلامية، لأن الفلسفة والمنطق يعطيان دفعة عقلية للتعامل مع النصوص القرآنية، ولكنّ المسلمين اعتبروا الفلسفة كفرًا، والمنطق زندقة، وقال بعضهم من الوهابيين المعاصرين وكانوا يُسمّون قديمًا "الحشويين": "مَن تمنطق فقد تزندق"، فعاشت الأمة على تراث غير منطقي وغير قرآني، فقد تم تكفير فلاسفة الأمة "ابن رشد والفارابي وابن سينا الكندي وابن النفيس.. وغيرهم قدامى، ومعاصرين من أمثال المفكرين الفلاسفة الدكتور فؤاد زكريا، والدكتور حسن حنفي، والدكتور زكي نجيب محمود، والدكتور المغدور فرج فودة، والدكتور المنفي نصر حامد أبو زيد.


وقد شتم يومًا الشيخ المشهور جدًّا محمد متولي الشعراوي، كلًّا من زكي نجيب محمود وتوفيق الحكيم ويوسف إدريس؛ لأن الأخير وصف الشيخ بأنه "تمتع بكل خصال راسبوتين المسلم، قدرة على إقناع الجماهير البسيطة، وقدرة على التمثيل بالذراعين، وتعبيرات الوجه، وقدرة على جيب كبير مفتوح دائمًا للأموال، وأنه يملك قدرات أي ممثل نصف موهوب"، صحيح أن يوسف إدريس أخذه الشطط في نقده للشعراوي، ولكنه أيضًا لم يكفر لأنه نقد شيخًا، ولو كان هو الشعراوي نفسه، الذي كان يمكنه أن يقود أي مفكر للقتل بما يملكه من قدرة على تحريك الجماهير الغوغاء من خلفه، والشيخ الشعراوي هو مَن فسَّر أن الحكمة هي السُّنة النبوية مستدلًّا بقول الله في سورة الأحزاب|34 لزوجات النبي "واذكرن مَا يتلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ الله والحكمة"، وهو استدلال غير واقعي؛ لأن الحكمة هنا أيضًا تعني فهم الآيات القرآنية، وليس الحديث النبوي، ولكنها أقوال الشيوخ الذين يأخذون المسلمين لدينهم وفقههم البشري، وهو فقه يقبل الخطأ كما يقبل الصواب، فيّؤخذ منه ويُردّ عليه، ولكنهم في النهاية يعتمدون على إيمان العوام وصدق الغوغاء، ولكن الغوغاء كما وصفهم "الإمام علي" بأنهم "من إذا اجتمعوا ضرّوا وإذا تفرّقوا لم يُعرفوا".. جنّب الله الأمة من ويلات رجال دينها، والله يهدي للحق ونسأله أن نكون مصيبين في قولنا.



أقرأ أيضا

البلد

جدران برلين العربية!

في التاسع من نوفمبر 1989 استيقظ الألمان على معاول تهدم أشهر جدار فاصل في التاريخ، الجدار الذي قسم مدينة برلين إلى شطرين شرقي شيوعي تحت نفوذ الاتحاد السوفييتي، وغربي ليبرالي تحت وصاية بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.
البلد

مصر والإمارات.. شراكة استراتيجية وتنسيق لحماية الأمن العربي

الشعبان المصري والإماراتي يرتبطان وجدانيًّا بصورة قلما نجد لها مثيلًا؛ إذ لعب إعلام البلدَين دورًا أساسيًّا في ترسيخ وتقوية العلاقات وتطويرها ومساندة القضايا المتعددة للبلدين وإنجاز صورة ذهنية حضارية تنمويًّا وثقافيًّا لكلا البلدين.
البلد

لماذا لا تحتفل مصر بثورة 1919 الشعبية الكبرى؟!

من الظلم الوطني عدم الاحتفال العام بثورة 1919، ومن التهميش الثقافي الذي يقضى على ذاكرة الأجيال؛ لأنها تعتبر الثورة الشعبية الكبرى في تاريخ مصر الحديثة، والتي مرّ عليها مئة عام، الثورة التي بدأت منذ يوم الثامن من مارس عام 1919...
البلد

أنصتوا إلى الشعب اللبناني

في عام 2012، كتبت مقالاً عن لبنان ما زال ينم عن الواقع حتى الآن، وأنهيت مقالي باقتباس واحدة من أفضل المقالات التي كتبها «جبران خليل جبران»، بعنوان «أنت لديك لبنان الخاص بك، وأنا لدي لبنان الخاص بي»...
البلد

ترامب.. استراتيجية الانتصار!

في الوقت الذي يواصل فيه الديمقراطيون التصعيد ضد ترامب، في قضية أوكرانيا، على أمل أن ينجحوا بعزله، وهي المهمة المستحيلة، التي يعملون عليها، منذ أن فاجأ ترامب أميركا والعالم، بفوزه غير المتوقع بالرئاسة، يجوب ترامب القارّة الأميركية متحدّيا.
البلد

الأكراد.. تاريخ من الدم وحاضر من الفشل

عندما بدأت تركيا في التاسع من أكتوبر الماضي غزوًا وعدوانًا واحتلالًا عسكريًّا على مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطي (قسد) في شمال شرقي سوريا، ادَّعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أن الهدف من هجومه هو تدمير "ممر الإرهاب" على الحدود الجنوبية لتركيا، غير أن كل الدلائل السياسية، التي سبقت العدوان العسكري التركي ضد قوات سوريا الديمقراطية، كانت تشير إلى هذه النهاية المأساوية لهذه القوات...
البلد

الجوكر وباتمان.. فن صناعة الشر

آرثر فليك، نموذج للمواطن الأمريكي الفقير المهمش الذي يحاول أن يجد له موضع قدم ولقمة عيش وسط مجتمع رأسمالي ساحق للفقراء بالعمل كمهرج أجير في النهار؛ أملًا منه في أن يكون فنان "ستاند أب كوميدي" في المساء.