لماذا لم أقل لنور الشريف إننى أحبه؟

إبراهيم عيسي



لماذا لم أقل لنور الشريف إننى أحبه؟


ابراهيم عيسي - نور الشريف


أحاول أن أتذكر الوجه الذى نطق بها فلا أتبين ملامحه، هى جملة جاءتنى من ناحية شمالى وأنا واقف أمام جهاز الكومبيوتر حيث يتم تنفيذ الصفحة الأولى لعدد المقال، التفت وكنت قد سمعتها

- نور الشريف مات

خبر كئيب أثقل قلبى وأوقف تفكيرى عند نقطة فراغ فى المخ لا شيئ فيها الا فراغ معتم وحزين، ثم كهرباء ما عادت إلى تلك المنطقة من الدماغ فطلبت كتابة موضوعات خاصة عن الفنان الراحل.. ورحت.

كنا قبيل مغيب هذا اليوم حيث رجعت من الجورنال إلى البيت وكنت قد قررت أن اخصص مقدمة برنامجى السياسى التليفزيونى الليلى عن نور الشريف، قمت بطقوسى بعد تبادل عزاء ومؤاساة فى كلمات تبادلناها أنا وزوجتى عن نور الشريف، ذهبت للاستديو وتحدثت فعلا عن الراحل فى فقرة مطولة قيل لى ليلتها انها كانت مختلفة ومهمة!

حسنا

فى اليوم التالى وعند ظهيرته بينما أكتب أو أقرأ أو لا أقرأ ولا أكتب ضربتنى قبضة حزن فى قلبى، وطلت صورة نور الشريف أمامى فى زيارة مفاجئة

ليكن

لايزال خبر رحيله ملتصقا بقلبى فمن الطبيعى أن يحضرنى، خصوصا والصفحات التى خصصناها للراحل فى الجريدة بدأت تتشكل وصوره وكلماته وافلامه تتكون حروفا ومساحات فى اهتمامى وشغلى

بعدها بيومين وأنا أصعد سلم بيتى فاجأنى نور الشريف،

آه، قلق ما جرى فى صدرى

خلال الأيام التالية لرحيله كنت متعايشا مع الحدث، منعتنى ظروف الظهور التليفزيونى على الهواء مباشرة من حضور عزائه «لم أكن أعرف هل كنت سأذهب أم لا فزحام الكاميرات فى العزاءات للمشاهير لم تعد تطاق فى تطفلها وسخافتها التى لا تدع للحزن مطرحا ولا وقارا، تابعت الافلام التى بدأ عرضها فى بعض القنوات التليفزيونية من بطولته، قرأت أكثر من رثاء له، لكن فوات الوقت وزحام الوقائع أزاح الحدث عن ذهنى وتربع عند تلك النقطة التى تشارك مئات الالاف من النقاط فى الشبكة المعقدة إلا نهائية التى تشكل ذاكراتك

لكن فجأة عاد نور الشريف يظهر لى ويحضرنى

ثم إذا بى أجلس على أريكتى الليلية فيأتينى فأدمع ثم أبكى

ماله بكاءا حارا ونهنهة ونحنحة بدموع ساخنة وتنهيدات متوجعة، طفل فى الخمسين يبكى نجمه وحيدا.

كنت مذهولا من نفسى

ما الذى يجرى بالضبط؟

أفتق رحيل نور الشريف شرنقة اكتئاب داخلى، ولماذا نور الشريف تحديدا اذا كانت هناك شرنقة وهناك اكتئاب وتريد شرنقته أن تنفتق،؟

هل أودع صباى وشبابى حين ودعت نور الشريف مثلا لكن نور الشريف صاحبنى بفنه وانا اكتهل وأكبر وأشيب معه؟

 فى الليلة التالية زارنى نور الشريف.. فى حلمى

آه وصلت لأن أحلم به حلما طويلا فيه مناقشات واعجابات وحزن وبكاء عليه ونظراته لى مشفقة ومواسية

قمت من النوم مدركا فورا الحقيقة؟

طيلة عمرى اقول أن نجم جيلى الذى تربيت على عشقه هو محمود يسن، كنت حزب محمود يسن بين اصحابى اكثر من حزب نور الشريف رغم هذا الشبه بيننا الذى لم تكن تراه سوى خالتى،

على مدى عملى الصحفى التقيت كثيرا بالفنان محمود يسن واعلنت عليه حبى وتحاورت وتكلمت معه كثيرا ويعرف محبتى له وكتبتها فى مرات متعددة واغدق الرجل على بكرمه فى زيارات مودة وتضامن وحفاوة بى فى ظل ازمات كثيرة مررت بها، لكننى لم أبن جسرا مع نور الشريف رغم عشرات المرات الممكنة فى الثلاثين عاما التى اشتغلتها فى الصحافة فى حياة نور الشريف

كنت صديقا أظنه حميما للراحل أحمد زكى،

محبا ومريدا وصديقا

قلت مليون مرة للفنان الكبير عادل أمام أننى أحبه وأعشقه وانه شارك فى تربية وجداننا بأفلامه، ورغم صداقة جميلة بيننا الا اننى احتفظ دائما له بمكانة النجم الذى يراه حتى ونحن جلوس فى غرفة واحدة على شاشة السينما البيضاء ينير حياتنا

بعد منتصف الليل اقلب فى محطات التليفزيون فإذا بإعادة حلقة عن نور الشريف يتحدث فيها زملاؤه وعائلته عنه، من لحظة ما استقر الريموت على هذه الشاشة حتى انتهت الحلقة بعد ساعتين وأنا أبكى نور الشريف

عدت للبكاء الحار على صوره وكلماته ومشاهد أفلامه واعماله

أبكى كأنى أبكى صديقا وأخا وأستاذا

امسح دموعى واكتم انفعالى خشية أن اوقظ اطفالى وزوجتى فيروننى فلا أعرف كيف أشرح لهم ما بى.. وما فى!

وجه نور الشريف منذ عشرين عاما فى غرفة مكتبه بشارع رمسيس حيث استقبلنى مع المخرجة الرائعة ساندرا نشأت لمناقشة سيناريو لى عرضت عليه ساندرا بطولته، الغريب اننى لا اتذكر اطلاقا ماذا قال عنه وبم رددت، لا اتذكر أى شىء فى مكتبه إلا بقعة ضوء ووجهه المبتسم مع دخان سيجارته وولا كلمة غير ذلك

وأعدت لذاكرتى يوم العرض الخاص لفيلم كتيبة الاعدام فى قاعة سينما كريم حيث انحنى نور الشريف على مقعد فارغ بجوار صديقتى وسألها هل فيه حد هنا فردت فى منتهى الرقة بإجابة خشنة

- ايوه فيه حد هنا

صديقتها أنبأتها وضربت كتفها وصرخت فيها كيف ترفض أن يجلس نور الشريف بجوارنا فأجابت

- معقولة ده كرسى جوزك يرجع ما يلاقهوش

صاحت فيها

- انشاء الله ما عن جوزى قعد، ده نور الشريف

ضحكت جدا وانا بجوارهما وبعد كل هذه السنين أدركت أن كل المقاعد الفارغة تنتظر نور الشريف!

لاشيئ لدى مع نور الشريف الا تلك الحادثتان فكيف سمحت لنفسى ألا أعرفه وألا أصادقه وألا ألازمه وألا أحاوره وألا أقول له أننى أحبك، انا الذى يحفظ تعبيرات وجهه فى كل افلامه، طريقة أداءاته فى كل ادواره، من رعشة عينه فى مع سبق الصرار والترصد إلى ايماءة عنقه فى العار، من صيحته كيحيى مراد فى حدوتة مصرية إلى صراخه كابن رشد فى المصير، من خفة مراهقة فى الو انا القطة إلى مرحه الشقى فى الصيف لازم نحب، من ولهه الحالم امام عايدة شداد فى قصر الشوق إلى شغفه الهائم فى كل هذا الحب، من ثلجيته فى الاخوة الاعداء إلى انتهازيته الباردة فى زمن حاتم زهران، من كابوسيته فى قطة على نار إلى ملحميته فى سواق الاتوبيس، يااه، أنا معجون بفنه بشخصياته بأدواره، أنا من المستحيل الا أكون قد فوت فيلما له فى حياتى، انا ادرك تفاصيل كالأسرار فى لمعة عينيه فى زوجتى والكلب أو توحيدة أو الخوف، الفارق الهش بين ريفية آخر الرجال المحترمين وبينها فى غريب فى بيتى

إسألنى عن أى فيلم وعن أى دور بل وعن أى مشهد لنور الشريف سأروى لك عنه حكاية وأفاجئك فيه برؤية!

لقد اكتشفت بعد كل هذه السنين اننى صدقت خالتى حين قالت لى اننى شبهه!،

كأنى كنت أبكينى لرحيله

نعم عرفت لماذا ظللت أبكى وأدمع بعد رحيل نور الشريف؟

جاءتنى الاجابة فى صبح تال لحلم جديد به فقد قلت له فى الحلم

-إنى أحبك

هدأت روحى من يومها كأنى وفيت نذرى وعوضت نقصى وأتممت واجبى وأديت حقه وتداركت ذنبى، ذنب أننى عشت كل هذا العمر لم أقل فيه لنور الشريف أننى أحبه!



أقرأ أيضا

البلد

جدران برلين العربية!

في التاسع من نوفمبر 1989 استيقظ الألمان على معاول تهدم أشهر جدار فاصل في التاريخ، الجدار الذي قسم مدينة برلين إلى شطرين شرقي شيوعي تحت نفوذ الاتحاد السوفييتي، وغربي ليبرالي تحت وصاية بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.
البلد

مصر والإمارات.. شراكة استراتيجية وتنسيق لحماية الأمن العربي

الشعبان المصري والإماراتي يرتبطان وجدانيًّا بصورة قلما نجد لها مثيلًا؛ إذ لعب إعلام البلدَين دورًا أساسيًّا في ترسيخ وتقوية العلاقات وتطويرها ومساندة القضايا المتعددة للبلدين وإنجاز صورة ذهنية حضارية تنمويًّا وثقافيًّا لكلا البلدين.
البلد

لماذا لا تحتفل مصر بثورة 1919 الشعبية الكبرى؟!

من الظلم الوطني عدم الاحتفال العام بثورة 1919، ومن التهميش الثقافي الذي يقضى على ذاكرة الأجيال؛ لأنها تعتبر الثورة الشعبية الكبرى في تاريخ مصر الحديثة، والتي مرّ عليها مئة عام، الثورة التي بدأت منذ يوم الثامن من مارس عام 1919...
البلد

أنصتوا إلى الشعب اللبناني

في عام 2012، كتبت مقالاً عن لبنان ما زال ينم عن الواقع حتى الآن، وأنهيت مقالي باقتباس واحدة من أفضل المقالات التي كتبها «جبران خليل جبران»، بعنوان «أنت لديك لبنان الخاص بك، وأنا لدي لبنان الخاص بي»...
البلد

ترامب.. استراتيجية الانتصار!

في الوقت الذي يواصل فيه الديمقراطيون التصعيد ضد ترامب، في قضية أوكرانيا، على أمل أن ينجحوا بعزله، وهي المهمة المستحيلة، التي يعملون عليها، منذ أن فاجأ ترامب أميركا والعالم، بفوزه غير المتوقع بالرئاسة، يجوب ترامب القارّة الأميركية متحدّيا.
البلد

الأكراد.. تاريخ من الدم وحاضر من الفشل

عندما بدأت تركيا في التاسع من أكتوبر الماضي غزوًا وعدوانًا واحتلالًا عسكريًّا على مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطي (قسد) في شمال شرقي سوريا، ادَّعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أن الهدف من هجومه هو تدمير "ممر الإرهاب" على الحدود الجنوبية لتركيا، غير أن كل الدلائل السياسية، التي سبقت العدوان العسكري التركي ضد قوات سوريا الديمقراطية، كانت تشير إلى هذه النهاية المأساوية لهذه القوات...
البلد

الجوكر وباتمان.. فن صناعة الشر

آرثر فليك، نموذج للمواطن الأمريكي الفقير المهمش الذي يحاول أن يجد له موضع قدم ولقمة عيش وسط مجتمع رأسمالي ساحق للفقراء بالعمل كمهرج أجير في النهار؛ أملًا منه في أن يكون فنان "ستاند أب كوميدي" في المساء.